محمد بن وليد الطرطوشي

149

سراج الملوك

باطشة ، وجننا « 1 » واقية ، وألسنة ناطقة ، وقوادم تنهضه ، وقوائم تقلّه « 2 » ، وهيهات منه السلامة ، وأنّى له بالسّلامة . وعن هذا قال بعض السلاطين يوما لأصحابه : اعلموا أن السلطان والجنّة لا يجتمعان . قال شيخنا رحمه الله : وحدثني رجل له قدر ، قال : أرسل إلىّ السلطان أن طلّق امرأتك ، وكان قد أرادها لبعض أصحابه ، فأبيت ذلك ، وراجعت الرّسل غير مرّة ، فقال لي ناصح منهم : خذ الأمر مقبلا « 3 » فإنه لا حيلة لك ، فإن السلطان لا يخاف في الدنيا عارا ، ولا في الآخرة نارا ، ففارقتها . وروي عن عبد الملك بن مروان « 4 » ، انه لمّا ولي الخلافة ، أخذ المصحف فوضعه في حجره ، ثم قال : هذا فراق بيني وبيتك . ولما حج هارون الرشيد « 5 » ، لقيه عبد الله العمرى « 6 » في الطواف ، فقال له : يا هارون : قال لبيك يا عم ، قال : كم ترى هاهنا من الخلق ؟ قال لا يحصيهم إلا الله ، فقال : اعلم أيها الرجل ، أنّ كلّ واحد منهم يسأل عن خاصّة نفسه ، وأنت واحد تسأل عنهم كلهم ، فانظر كيف تكون ، فبكى هارون وجلس ، فجعلوا يعطونه منديلا منديلا للدموع ، ثم قال له : واللّه إن الرّجل ليسرع في مال نفسه ، فيستحقّ الحجر عليه ، فكيف بمن أسرع في مال المسلمين . ويقال أن هارون كان يقول : والله إني أحب أن أحج كل سنة ، وما يمنعني إلا رجل من ولد عمر ، يسمعني ما أكره ، وقال مالك بن دينار « 7 » : قرأت في بعض الكتب القديمة ، يقول الله تعالى : من أحمق من السلطان ؟ ومن أجهل ممن عصاني ، ؟ ومن أعزّ ممّن اعتزّ بي ؟ أيا راعى السوء : دفعت إليك غنما سمانا صحاحا ، فأكلت اللحم وشربت اللبن ، وائتدمت بالسّمن ، ولبست الصّوف ، وتركتها عظاما تقعقع ، ولم تأو الضّالّة ، ولم تجبر الكسير « 8 » ، اليوم أنتقم لها منك . * * *

--> ( 1 ) مفرده جنّة وهي السترة . ( 2 ) القوادم : الريشات التي في مقدمة الجناج للطائر ، والقوائم : الأرجل . ( 3 ) خذ الأمر مقبلا : أي أرض ورحّب به . ( 4 ) عبد الملك بن مروان : الخليفة الأموي الخامس ، ولد بالمدينة وتوفى بدمشق سنة 86 ه . ( 5 ) هارون الرشيد : الخليفة العباسي الرابع ، أشهر الخلفاء العباسيين ، توفى سنة 193 ه . ( 6 ) سبق ذكر هذه القصة ، وقيل إن الذي لقيه هو عبيد الله العمري وليس عبد الله . ( 7 ) مالك بن دينار : العالم الورع ، سبقت ترجمته . ( 8 ) يجبر الكسير : يعمل على إصلاحه .